عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

19

اللباب في علوم الكتاب

قال ابن الخطيب « 1 » : وهذا يستقيم على قول الفرّاء ، وضعيف على قول الزّجّاج ؛ لأنّه قد تقدّم ذكر ذلك ، فإنّه تعالى قال : « وَكُفْرٌ بِهِ أَكْبَرُ » فحمل الفتنة على الكفر يكون تكرارا . والقول الثاني : أن الفتنة ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم تارة بإلقاء الشّبهات في قلوبهم ، وتارة بالتّعذيب كفعلهم ببلال ، وعمّار ، وصهيب . قال محمّد بن إسحاق « 2 » : لأن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال : فتنت الذّهب بالنّار : إذا أدخلته فيها لتزيل غشّه قال تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] ، أي : امتحان ؛ لأنّه إذا ألزمه إنفاق المال في سبيل اللّه ، تفكّر في ولده ؛ فصار ذلك مانعا عن الإنفاق وقال تعالى : ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت : 1 - 2 ] ، أي : لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ طه : 40 ] وقال : فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [ العنكبوت : 10 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ البروج : 10 ] والمراد أنهم آذوهم ، وعذبوهم لبقائهم على دينهم . وقال : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 101 ] ، وقال : ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [ الصافات : 162 ] وقال : فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ [ آل عمران : 7 ] أي : ابتغاء المحبّة في الدّين . وقال : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [ المائدة : 49 ] وقال : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً [ يونس : 85 ] والمعنى : أن يفتنوا بها عن دينهم ، فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر ؛ وقال : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [ القلم : 5 - 6 ] قيل : المفتون المجنون ؛ لأنّ المجنون والجنون فتنة إذ هو محنة وعدول عن سبيل العقلاء ، وإذا ثبت أنّ الفتنة هي المحنة ، فالفتنة أكبر من القتل ؛ لأنّ الفتنة عن الدّين تفضي إلى القتل الكبير في الدّنيا وإلى استحقاق العذاب الدّائم في الآخرة ، فصحّ أنّ الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الّذي وقع السّؤال عنه ، وهو قتل ابن الحضرميّ . روي أنّه لما نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن جحش إلى مؤمني مكّة : إذا عيّركم المشركون بالقتال في الشّهر الحرام ؛ فعيروهم بالكفر ، وإخراج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقتال من مكّة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام « 3 » . وصرح هنا بالمفضول في قوله : « وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » ؛ لأنه لا دلالة عليه لو حذف بخلاف الذي قبله حيث حذف . قوله : « وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ » هذا فعل لا مصدر له ، قال الواحديّ : ما زال يفصل ولا يقال منه : فاعل ، ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال كثير نحو « عسى » ليس له مصدر ،

--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 30 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 31